أبي طالب المكي
19
علم القلوب
المعجبين « 1 » ، والمشاهدة حرفة المتحققين . قال الشبلي : إذا تقلقل القلب بالشوق إلى المذكور ، تحرك اللسان بذكر المذكور ، وقد أحسن القائل حيث يقول : ذكرتك لا أنى نسيتك ساعة * ولكن بوادي الشوق تبدو فأنطق وقد أوحى الجليل إلى صاحب الحزن الطويل : يا داود ، من ذكرني ذكرته ، ومن شكرنى أحببته ، ومن أحبني قتلته « 2 » ، ومن طلبنى أبليته ، ومن عرفني حيرته ، ومن هرب منى أدركته . وقال يحيى بن معاذ ، رضى اللّه عنه : إن للّه تعالى مقاود معلقة بعدد قلوب المؤمنين ، لكل قلب مقودا ، فلا يذكر ذاكر به حتى يحرك الرب مقوده . ثم قال : حركة المقود « 3 » هي قبل ذكر الذاكر للرب « 4 » ، فيا ابن آدم ، إن علمت أن ذكر [ ك ] من علامة ذكر اللّه لك ، فأكثر ذكرك له . وقال يحيى : عند ذكر الدنيا تموت العقبى ، وعند ذكر العقبى تموت الدنيا ، وعند ذكر المولى تموت الدنيا مع العقبى ، فعليك بذكر المولى يوصلك إلى العلا . وقال : ذكر الدنيا داء ، وذكر الخلق بلاء ، وذكر العقبى دواء ، وذكر المولى شفاء . وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري ، رحمه اللّه ، تفسير هذه الآية في كتاب الإشارة والعبارة ، من ثلاثين وجها انتقيت واللّه أعلم منها لبابه ، ولولا خوف الملالة لطولت لك في المقالة ، فهذا وجه من الحكمة في ترتيب الآية مما أشرف على فهمه من أهل الرعاية والعناية . فأما تفسير الآية قوله تعالى وجل ذكره : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [ البقرة :
--> ( 1 ) المقصود الإعلان بالذكر ، وبالزهد ، وبالمحاسبة ، فالذكر لا يكون إلا بعد غفلة ، وإعلان الزهد لا يكون إلا بعد بطالة من أمر العبادة ، وإعلان المحاسبة إعجاب بالعبادة . ( 2 ) أي من أحب اللّه قتل فيه نوازع النفس الأمارة ، ومن طلب معرفة اللّه عرفه اللّه به عن طريق البلاء الذي يعد النفس لها ، ومن ادعى المعرفة حيره في معرفته ؛ لأن المعرفة هي الحيرة في المعرفة . ( 3 ) في الأصل : هو . ( 4 ) أي من باب قوله تعالى : تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ التوبة : 118 ] . وقوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، فمن علم منه صدق التوجه هيأ له الذكر .